الطلبة والمعلمون.. والتصحّر النفسي!

قرأت العديد من ردود الأفعال من أولياء الأمور والمعلمين عما يواجهونه في عملية التعليم والتعلم.. وقد التقيت بولي أمر طالب قال لي: إنها كميدان للمعارك وليست مدرسة، وقد كان يتذمر من سلوك المدير، وأكمل: ألا يكفينا خطبا تكاد تكون صراعات لا نقاشات بناءة؟! ألا يكفي انحدار التعليم ومستوى أبنائنا؟!
تفكرت بكل ما سمعت.. وهناك المزيد ولكن أكتفي بما قيل.. وذهب بي التفكير إلى مصطلح أخشى ما أخشاه أنه بدأ يظهر في مجتمعنا الكويتي، وهو التصحّر النفسي..
فالتصحّر النفسي هو حالة من الضياع والتمزق النفسي وعدم الرضا عن الذات، يؤدي إلى زيادة حالة القلق والتوتر النفسي، والخوف من المستقبل والشعور الدائم بالإحباط، أحياناً تصاحبه كآبة شديدة مع شعور بالفراغ، إضافة إلى عدم وجود معنى أو هدف بالحياة، مع فقدان الأمل، حيث تتأثر شخصية الإنسان وسلوكه بالمناخ العام المحيط به، سواء أكان هذا المناخ المختص بالطقس أم المناخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي..
ويكون التصحر النفسي على مستويات، منه ما يكون شديدا أو متوسطا أو خفيف التأثير، حيث يعتمد على شخصية الإنسان وأسلوب التنشئة الأسرية والمحيط به.. ومن أهم أسبابه، حالات التفكك الأسري والنزاعات داخل الأسرة، وحالات الطلاق والإهمال للأولاد من قبل الوالدين، بالإضافة إلى حالات الإحباط التي يتعرض إليها الإنسان وعدم الشعور بالسعادة، سواء داخل عمله أو المدرسة أو الحياة..
نعم، قد تجد أصحاب النفوس المتصحرة في قطاع التربية! فتجد مديراً لا يحفز معلميه ولا يشكرهم، وإذا صدر خطأ من أحدهم سعى إلى نشره والتحدث عنه في كل مجلس، مما يؤدي إلى التصحر النفسي لديهم، وافتقاد المدرسة لدورها التربوي والترفيهي كمكان جاذب للطلبة، وانحدار التعليم ونتاجاته يؤديان إلى قتل قدراتهم الذهنية والنفسية والمعرفية..
ولا ننسى أن حالات الفقر وتغييب الإبداع والمبدعين، وتسييد الجهلة والفاسدين في مختلف مناحي الدولة، من أسباب التصحر النفسي والاغتراب معاً.. وللأسف لا مجال هنا للمبالغة، ولا بد من الالتفات إلى المشكلة حتى لا تتحول إلى شحنات غضب ثم إلى الانفجار، وتؤدي إلى العدوان السلبي الذي يظهر على شكل لا مبالاة، وكسل، وتراخ، وبلادة، وعدم انتماء، وعدم إتقان، سواء على الطالب أو المعلم أو غيرهما..
لا يبدأ الإصلاح إلا من الأسرة من خلال تربية الأطفال ودعمهم النفسي، وتوفير المناخ المناسب لهم للشعور بالحنان والحب، والشعور بالأمان، لدعمهم لبناء ذاتهم بصورة صحيحة، وأن يكون للمدرسة دورها الريادي في بناء ذات الطالب وتحفيزه على التفكير والنقد البناء وتنقية ثقافة الطلبة من ثقافة الانهزام والابتذال لتساهم في بناء جيل يحترم ذاته، واثق من نفسه، قادر على مواجهة الحياة بكل ظروفها.. والدور الأكبر والأهم يأتي من الحكومة في تبني خطط للنهوض بأبنائنا وواقعهم الدراسي والاجتماعي والنفسي، ورعايتهم وتعزيز روح المواطنة، واحترام طموحاتهم وأفكارهم، لخلق جيل مؤهل فكرياً وعلمياً لخدمة نفسه ووطنه.

د. أحمد حسين الفيلكاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق