المرأة التي سبقت عصرها

 

 

من هي المرأة التي قال عنها د. غازي القصيبي “كانت رائدة التعليم النسوي في المملكة العربية السعودية، يوم كان الكلام مجرد الكلام عن تعليم المرأة مغامرة غير مأمونة العواقب”؟ وقيل فيها:
“إن للأمجاد في التاريخ وقفة توجت عنوانها بالفخر (عفت)”
سجل التاريخ الإنساني بأحرف من نور سيرة شخصيات نسائية ريادية، وخلد لنا خبرات ثقافية طلائعية تستحق تسليط الضوء عليها لتصبح عبر العصور مصدرا من مصادر الإصرار في دنيا الإصلاح. وُلدت الملكة عفت الثنيان قبل أكثر من مائه عام، وهي زوجة الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود رحمهما الله. لقد ارتبط اسم هذه الملكة وسيرتها العطرة في مشهد تربية البنات وتثقيفهن، وحب القراءة وعمل الأبحاث، ومعاضدة الزوج في نهضة المجتمع، والعناية بالأيتام، ورعاية الأسرة على وجه حضاري يعلي من شأن المرأة باعتبارها مربية أجيال، وشقيقة الرجال.
ترعرعت الملكة عفت في إسطنبول في ظل حياة معيشية صعبة وهناك حصلت على دبلوم معلمات. بدأ مشوار كفاحها الوطني لدعم فكرة تعليم الفتيات ونسجت من أحلامها حكاية عربية طموحة. ولقد قامت الأميرة عفت بنفسها بمبادرات عديدة في انشاء الجمعيات الخيرية وسعت نحو بناء مدرسة الطائف النموذجية ولكنها كانت محاولة متعثرة فليس من السهل حينئذ أن يُرسل الأهالي بناتهم للمدرسة، ثم أَسست مدرسة دار الحنان في منتصف القرن الماضي. ولم تمنعها التحديات المجتمعية من الاستمرار في تحقيق حلمها، وتتوج جهودها الناجحة بإنجاز جامعة عفت. شهد مجلس الأميرة عفت حوارات ثقافية مست شئون الحياة وجعلت
من الاقناع مسلكا، ومد يد العون منهجا، والتنمية مقصدا في مناقشاتها ومحادثاتها ومبادراتها.
ومن الأقوال النقية التي تصف بدقة واقتدار أغوار شخصية الملكة عفت عبارة ابنتها: “كانت والدتي تؤكد علينا أن تعليم المرأة هو سلاحها، وتوصينا بالتمسّك بالدين، واحترام الناس جميعاً”. نجحت الملكة عفت في توصيل نصيحتها التي لخصت بصفاء مسيرة حياة امرأة سبقت عصرها، وقدمت لبلدها وأمتها والإنسانية أنموذجا رائعا. نحتاج اليوم وفي كل عصر ومكان إلى التمركز حول قيم بانية للأخلاق تستلهم مبدأ تعليم المرأة العلم والخلق المتين، واتباع تعاليم الدين، والتواصل الحسن مع العالمين.
لقد رأت الأميرة عفت في نهاية مسيرتها ازدهار أزهار الحياة المتمدنة في ربوع وطنها وكانت تؤمن بأن “المجتمع الذي لا يضم نساءً متعلمات هو مجتمع عاجز”. إن المرأة المتعلمة ترتقي بالمجتمع، وعلى قدر رقيها تنهض الأمم. أضحت قضية التعليم اليوم قضية إنسانية بالدرجة الأولى، وصدق القائل “ليس كالتعليم يمدّ الإنسانَ ويدفعه إلى الرُّقيّ”.
إذا أردنا أن نعرف قيمة شخص فلنكتشف نشأته ومسيرته، ومشاغله وأحلامه، وصدق أعماله. إن الذي لا يستفيد من روائع السابقين والسابقات شخص ضيق الأفق يفتقد الحكمة، وتنقصه الحصافة. يزخر تاريخ التعليم في الخليج العربي بالمآثر التي تساهم في بناء الشخصيات النسائية المؤمنة بدور التعليم في إرساء معاني العزة والتقدم.

 

أ.د. لطيفة حسين الكندري

dr.latefah@yahoo.com
dralkandery@

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق