رهان التكنولوجيا بالكهرباء

‏في الماضي، كنا نعيش التقدّم بجميع مراحله وفق تدرج معقول.. وكنت أسمع والدي والأهل يتحدثون عن أيام أول.. في وقت لم تكن الكهرباء منتشرة، وكيف دخلت وانتشرت، وعلى ماذا اعتمدت في ظل التخطيط البدائي الأولي..

 لو نظرنا ضمن رؤية تنظيمية شاملة، فسنجد أنه قبل اختراع الكهرباء عاشت البشرية مع تقدّم تكنولوجي شمل جميع نواحي الحياة من دون أن يرتبط هذا التقدم بجانب محدد أو شيء محدد.. فنجد أن كثيراً من الاختراعات البشرية ‏قد ارتبطت بمبدأ الدوران أو الضغط أو الدفع أو الحرارة.. وهذه المبادئ العامة ليست مرتكزة على شيء محدد، ويمكن وجودها في كل زمان ومكان..

وبعد ظهور الكهرباء، بدأت الاختراعات والاكتشافات ‏تعتمد اعتماداً كلياً على الكهرباء، باعتبار أنها شيء مسلّم به، ودائم في كل زمان ومكان.. ‏ثم جاء اختراع الحاسوب الذي يعتمد بشكل رئيسي على الكهرباء.. ‏ومع تقدم الزمن أصبح جميع الاكتشافات والاختراعات تعتمد بشكل رئيسي على الحاسوب والتطورات التي طرأت عليه.. وبطبيعة الحال، ‏تكون جميع هذه الاختراعات قد اعتمدت على الكهرباء التي يعتمد عليها الحاسوب.. ‏يأتي السؤال هنا: عن مدى إمكانية فكرة اختفاء الكهرباء من حياتنا!

هي فكرة قد تبدو مستحيلة للوهلة الأولى.. ولكن الكتّاب ‏السينمائيين الذين كتبوا في هذه الفكرة أكثر من مرة جعلوها ممكنة؛ فالكوارث الطبيعية والحروب النووية ‏وربما فكرة الغزو الفضائي كلها جعلت فكرة اختفاء الكهرباء من حياتنا فكرة ليست مستحيلة.. ‏فلو تخيلنا مثلاً هذه الفكرة أنها حدثت على أرض الواقع، فماذا سيكون مصير البشرية؟! ‏حتما ستعود البشرية إلى العصر الحجري.. وقد يقول قائل: ليس العصر الحجري، ‏وإنما إلى عصور ما قبل اختراع الكهرباء.. وأنا أخالف القائلين بذلك، فنحن الآن لا نعلم تلك المبادئ التي ‏أسست عليها التكنولوجيا.. إن صحت تسميتها بذلك في العصور ما قبل اختراع الكهرباء.. وقد اقتصرت ‏دراسة تلك التكنولوجيا على الجانب الأثري والتاريخي الذي يعتمد على التحليل من دون التطبيق.. وبذلك تكون لدينا معرفة نظرية ‏لا ترتقي إلى مستوى التطبيق..

خلاصة القول: إن البشرية تعلن انتحارها بانتهاء الكهرباء.. وكان من باب أولى قبل أن نفكر بالتقدم التكنولوجي والانجراف وراء التطور المتسارع المستمر فقط لا غير أن نفكر وماذا بعد؟ أين نحن في ما وراء الكهرباء؟.. فمصادر الطاقة لن تدوم.. وكل شيء يدور حولنا يحيا على الطاقة التي هي مصدر الكهرباء، والتي هي مصدر التكنولوجيا.. ومصير الكهرباء الموت.. ما الجيل الذي بعد الكهرباء؟.. دعونا نفكر في البديل.. وما بعد الكهرباء.. فالأمر أخطر من كونه طرحاً لفكرة.. بل تعدى إلى الخوض في الجوهر.. أي في صميم حياة البشرية.

 

د. أحمد حسين الفيلكاوي

أستاذ تكنولوجيا التعليم – كلية التربية الأساسية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق