الترجمة بين التكنولوجيا ومجالات الحياة

جميل أن يجلس المرء منا مع زملائنا نتناقش ونتدبر مجالات الحياة في إطار عملنا أو تخصصنا أو في غير ذلك. والأجمل أن نتفكر بفلسفة الأمور، ثم نقوم بتحليلها مع تبادل الآراء والأفكار والمعلومات، للوصول إلى مبادئ تتمحور حول الموضوع في مجال ما. وهذا ما حصل في يوم، عندما كنت أجلس مع أحد الزملاء نفكر بأمر التكنولوجيا، وكيف أنها ما زالت متأخرة في عالمنا النامي، وأن التكنولوجيا وصلت إلى ما وراء معرفتنا من تقدم وتطور في الدول المنتجة والمتقدمة، وما زلنا نحن نتعامل مع التكنولوجيا التقليدية، وكأنها طفرة جديدة ما زلنا نتعرف عليها، ولم تأخذ حقها في مجال التعليم وغيره من المجالات. هناك حلقة مفقودة! وشاركنا أحد الزملاء، الذي شق طريقه في الحديث، فتوصلنا إلى أن الترجمة بين التكنولوجيا ومجالات الحياة تحتاج إلى من يدرك لغة التكنولوجيا ولغة الحياة.
نعم، فاعتماد بعض العلوم على الجانب النظري يجعل مسألة توظيف تطورات التكنولوجيا في هذا الجانب العلمي ضعيفاً، ويجعل ‏مسألة تطور هذا الجانب العلمي محصوراً في البحث النظري، ولو نظرنا جيداً نجد أن هناك بعض الجوانب التي استطاعت التكنولوجيا ‏أن تسبق فيها ‏الجانب النظري ‏بأشواط. على سبيل المثال، استطاعت التكنولوجيا بما قامت به من إمكانات في الحركة والمحاكاة ‏أن تخدم الفيزياء الحركية، كما ساعدها في فهم حركة الكائنات الحية من حولنا، واستطاعت التكنولوجيا في مجال الفيزياء الكمية من تفسير حركة المقذوفات، وفهم بعض ‏الظواهر الطبيعية.

وفي الجانب الآخر، نجد أن التكنولوجيا تقدمت كثيراً في مجال التقنية الصوتية، ولكن اعتماد العاملين ‏في مجال معالجة ضعف السمع على الأبحاث في الجانب النظري، الذي يعتمد على الملاحظة المباشرة، أو تجريب في بيئة أشبه ما تكون بالنظرية. بالإضافة إلى قلة معرفة ‏العاملين في مجال التقنية الصوتية باحتياجات المعالجة السمعية، جعل كل جانب ينمو بمعزل عن الآخر، وبالتالي اعتمد كل منهما على أرضية غير كافية لتطور هذا الجانب.

وعلى ذلك تأتي محاولة توظيف أحد الجانبين في خدمة الآخر، والاستفادة من التقدم فيه مرهون بالصدفة أو وجود من يملك الجانب النظري والجانب التكنولوجي على حد سواء. مثال ذلك، لو بقيت تقنية النانو تتقدم بشكل تكنولوجي بحت من دون معرفة أصحابها بالاحتياجات الطبية، ستبقى تلك التقنية الثمينة موجهة بشكل عمودي نحو تطورها من دون محاولة توظيفها في مجالات مهمة جداً، كالطبية مثلاً.. في اللحظة التي وقعت فيها تلك التقنية تحت نظر العاملين في المجال الطبي، واستطاعوا فهمها، وبناء عليه جرت عملية التوظيف.

إذاً نحن بحاجة إما إلى تثقيف العاملين بالمجال النظري بالتكنولوجيا، وإما تثقيف العاملين بالمجال التكنولوجيا بالجانب النظري، فكلاهما ترجمة واضحة لمجالات الحياة. فالبحث العلمي لا يخلو من الجانب النظري، والجانب العملي للوصول إلى النتائج.

 

د. أحمد حسين الفيلكاوي

أستاذ مساعد – كلية التربية الاساسية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق